ابن كثير
188
البداية والنهاية
فأجابهم عثمان إلى ما سألوا إزاحة لعذرهم ، وإزالة لشبههم ، وقطعا لعللهم . وذكر سيف بن عمر أن سبب تألب الأحزاب على عثمان أن رجلا يقال له عبد الله بن سبأ كان يهوديا فأظهر الاسلام وصار إلى مصر ، فأوحى إلى طائفة من الناس كلاما اخترعه من عند نفسه ، مضمونه أنه يقول للرجل : أليس قد ثبت أن عيسى بن مريم سيعود إلى هذه الدنيا ؟ فيقول الرجل : نعم ! فيقول له فرسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه فما تنكر أن يعود إلى هذه الدنيا ، وهو أشرف من عيسى بن مريم عليه السلام ؟ ثم يقول : وقد كان أوصى إلى علي بن أبي طالب ، فمحمد خاتم الأنبياء ، وعلي خاتم الأوصياء ، ثم يقول : فهو أحق بالامرة من عثمان ، وعثمان معتد في ولايته ما ليس له . فأنكروا عليه وأظهروا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر . فافتتن به بشر كثير من أهل مصر ، وكتبوا إلى جماعات من عوام أهل الكوفة والبصرة ، فتمالأوا على ذلك ، وتكاتبوا فيه ، وتواعدوا أن يجتمعوا في الانكار على عثمان ، وأرسلوا إليه من يناظره ويذكر له ما ينقمون عليه من توليته أقرباءه وذوي رحمه وعزله كبار الصحابة . فدخل هذا في قلوب كثير من الناس ، فجمع عثمان بن عفان نوابه من الأمصار فاستشارهم فأشاروا عليه بما تقدم ذكرنا له فالله أعلم . وقال الواقدي فيما رواه عن عبد الله بن محمد عن أبيه قال : لما كانت سنة أربع وثلاثين أكثر الناس بالمقالة على عثمان بن عفان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد ، فكلم الناس علي بن أبي طالب أن يدخل على عثمان ، فدخل عليه فقال له : إن الناس ورائي وقد كلموني فيك ، ووالله ما أدري ما أقول لك ، وما أعرف شيئا تجهله ، ولا أدلك على أمر لا تعرفه ، إنك لتعلم ما نعلم ، ما سبقناك إلى شئ فنخبرك عنه ، ولا خلونا بشئ فنبلغكه ، وما خصصنا بأمور خفي عنك إدراكها ، وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ونلت صهره ، وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحق منك ، ولا ابن الخطاب بأولى بشئ من الخير منك ، وإنك أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رحما ، ولقد نلت من صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم ينالا ، ولا سبقاك إلى شئ ، فالله الله في نفسك ، فإنك والله ما تبصر من عمى ، ولا تعلم من جهل . وإن الطريق لواضح بين ، وإن أعلام الدين لقائمة ، تعلم يا عثمان أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل ، هدي وهدى ، فأقام سنة معلومة ، وأمات بدعة معلومة ( 1 ) ، فوالله إن كلا لبين ، وإن السنن لقائمة لها أعلام ، وإن البدع لقائمة لها أعلام ، وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضل وأضل به فأمات سنة معلومة وأحيا بدعة متروكة ، وأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يؤتى يوم القيامة بالامام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر ، فيلقى في جهنم فيدور فيها كما تدور الرحا ثم يرتطم في غمرة جهنم ، وإني أحذرك الله وأحذرك سطوته ونقمته ، فإن عذابه أليم شديد ، واحذر أن تكون إمام هذه الأمة المقتول ، فإنه
--> ( 1 ) في الكامل 3 / 152 والطبري 5 / 99 : متروكة .